الشيخ المفيد

12

رسائل في الغيبة

توهمه الخصم وادعاه من سهولة هذا الزمان على صاحب الأمر عليه السلام وصعوبته على آبائه عليهم السلام فيما سلف ، وقلة خوفه اليوم وكثرة خوف آبائه فيما سلف ، وذلك أنه لم يكن أحد من آبائه عليهم السلام كلف القيام بالسيف مع ظهوره ، ولا ألزم بترك التقية ، ولا ألزم الدعاء إلى نفسه حسبما كلفه إمام زماننا ، هذا بشرط ظهوره عليه السلام ، وكان من مضى من آبائه صلوات الله عليهم قد أبيحوا التقية من أعدائهم ، والمخالطة لهم ، والحضور في مجالسهم وأذاعوا تحريم إشهار السيوف على أنفسهم ، وخطر الدعوة إليها . وأشاروا إلى منتظر يكون في آخر الزمان منهم يكشف الله به الغمة ، ويحيي ويهدي به الأمة ، لا تسعه التقية ، عند ظهوره ينادي باسمه في السماء الملائكة الكرام ، ويدعوا إلى بيعته جبرئيل وميكائيل في الأنام ، وتظهر قبله أمارات القيامة في الأرض والسماء ، ويحيا عند ظهوره أموات ، وتروع آيات قيامه ونهوضه بالأمر الأبصار . فلما ظهر ذلك عن السلف الصالح من آبائه عليهم السلام ، وتحقق ذلك عند سلطان كل زمان وملك كل أوان ، وعلموا أنهم لا يتدينون بالقيام بالسيف ، ولا يرون الدعاء إلى مثله على أحد من أهل الخلاف ، وأن دينهم الذي يتقربون به إلى الله عز وجل التقية ، وكف السيد ، وحفظ اللسان ، والتوفر على العبادات ، والانقطاع إلى الله عز وجل بالأعمال الصالحات ، أمنوهم على أنفسهم مطمئنين بذلك إلى ما يدبرونه من شأنهم ، ويحققونه من دياناتهم ، وكفوا بذلك عن الظهور والانتشار ، واستغنوا به عن التغيب والاستتار . ولما كان إمام هذا الزمان عليه السلام هو المشار إليه بسل السيف من أول الدهر في تقادم الأيام المذكورة ، والجهاد لأعداء الله عند ظهوره ، ورفع التقية عن